العودة للخلف

(العشرون) العشر الأواخر

تاريخ النشر: 06 / 06 / 2026
: 1

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإنَّ مِن المعلوم أنَّ شهرَ رمضان أفضل الشُّهور، وأفضل أيامه: العشر الأخيرة منه. وأفضل ليالي العام كله: ليالي العشر الأخيرة.

وذلك لما فيها من المميزات العظيمة، والفضائل الكريمة والخصائص الجليلة.

ومن ذلك: كثرةُ اجتهاد النبي ﷺ فيها.

وصفتْ أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها حالَ النبيِّ ﷺ في هذه العشر فقال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ»([1]).

وقالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ»([2]).

قال العلامة العثيمين رحمه الله: «في هذه الأحاديث دليل على فضيلة هذه العَشْر؛ لأنَّ النبي كان يجتهد فيها أكثر مما يجتهد في غيرها، وهذا شامل للاجتهاد في جميع أنواع العبادة من صلاة وقرآن وذكر وصدقة وغيرها، ولأن النبي كان يُحيي ليلَهُ بالقيام والقراءة والذكر بقلبه ولسانه وجوارحه لشرف هذه الليالي وطلبا لليلة القدر التي مَن قامها إيمانًا واحتسابًا غفر اللهُ له ما تقدم من ذنبه. ومما يدل على فضيلة العشر -من هذه الأحاديث- أنَّ النبيَّ كان يوقظ أهله فيها للصلاة والذِّكر حِرصًا على اغتنام هذه الليالي المباركة بما هي جديرة به من العبادة، فإنها فرصة العُمر وغنيمة لمن وفَّقه الله عز وجل، فلا ينبغي للمؤمن العاقل أن يفوِّت هذه الفرصة الثمينة على نفسه وأهله، فما هي إلا ليال معدودة ربما يُدرك الإنسان فيها نفحةً من نفحات المولى فتكون سعادة له في الدنيا والآخرة.

وإنه لَمِن الحرمان العظيم والخسارة الفادحة أنْ ترى كثيرًا من المسلمين يُمْضُون هذه الأوقات الثمينة فيما لا ينفعهم، يسهرون معظمَ الليل في اللهو الباطل ، فإذا جاء وقت القيام نامُوا عنه وفوَّتوا على أنفسهم خيرًا كثيرًا لعلهم لا يدركونه بعد عامهم هذا أبدًا، وهذا مِن تلاعب الشيطان بهم ومكره بهم وصدِّه إياهم عن سبيل الله وإغوائه لهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر: 42]، والعاقل لا يتخذ الشيطانَ وليًّا من دون الله مع علمه بعداوته له؛ فإنَّ ذلك مناف للعقل والإيمان قال الله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف: 50] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر: 6]» ([3]).

ومن فضائل العشر: إحياء الليل كله بالصَّلاة.

لحديث عائشة السابق أنَّ النبي كان إذا دخل العشر أحيا الليل.

وفي المسند عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «جَمَعَ النبي أهلَه ونساءه والناسَ، فقام بنا حتى خَشِينا أن يفوتَنا الفلاحُ» قيل: وما الفلاح؟ قال: «السُّحور». ولفظ النسائي: «قُمْنَا مَعَ النبي لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ لَا نُدْرِكَ الْفَلَاحَ»، -أي السُّحُورَ-([4]).

قال العلامة العثيمين رحمه الله: «وفي هذه العشر الأواخر استحباب التهجُّد كل الليل إذا أمكن؛ لأنَّ النبي «إذا دخل العشر الأواخر أيقظ أهله، وأحيا الليل، وشد المئزر»، ولم يكن يوقظهم في العشر الأواسط، ولا الأُوَل، يوقظهم للتهجّد في العشر الأواخر؛ لأن العشر الأواخر تُرجى فيها ليلة القدر؛ ليلة القدر التي مَن قامها إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وهي ليلة تكون في العشر الأواخر من رمضان.

ومعنى «شد المئزر» قيل: إنه كناية عن ترك النساء؛ لأنه يكون معتكفاً، وقيل: بل هو كناية عن الجد والتشمير في العمل. وكلا الأمرين صحيح، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام كان لا يأتي أهله في العشر الأواخر من رمضان لأنه معتكف، وكان أيضاً يشد المئزر، ويجتهد، ويشمر -صلوات الله وسلامه عليه- وهذا من أنواع المجاهدة. فالإنسان يجب أن يجاهد نفسه في الأوقات الفاضلة حتى يستوعبها في طاعة الله»([5]).

ومن فضائلها : الاعتكاف فيها. وهو لزوم المسجد وحبس النفس على طاعة الله عز وجل.

ففي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ»([6]).

وفي لفظ للبخاري قالت: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ»([7]).

ومن مميزاتها: كثرة قراءة القرآن في صلاتها

قال سماحةُ الشيخ ابن باز رحمه الله: «في العشر الأخيرة يُستحب الإطالة لأن الرسول ﷺ، كان يُحْيِي الليلَ كلَّه في العشر الأخيرة ولهذا شرعت الإطالة، كما أطال النبي ﷺ فإنه قرأ في بعض الليالي البقرة والنساء وآل عمران في ركعة واحدة، المقصود أنه ﷺ كان يطيل في العشر الأخيرة ويحييها، فلهذا شرع للناس إحياؤها والإطالة فيها حتى يأخذوا من الليل ما تيسر»([8]).

ومِن خصائصها: تحرِّي ليلة القدر.

ففي الصحيحين عن أم المؤمنين أنَّ النبي أمرَ بتحرِّي ليلة القدر في العشر الأواخر([9]).

وقال: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ - يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ»([10]).

وفي لفظ: «تَحَيَّنُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ»([11]).

وفي حديث أبي سعيد أن النبي اعتكفَ يتحرَّى ليلةَ القدر وقال: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَبِتْ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَأُنْسِيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي كُلِّ وِتْرٍ»([12]).

ومن ذلك أيضًا: أنّ النبي ﷺ أرشد إلى طلب العفو والمغفرة فيها.

ففي المسند والترمذي أنَّ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سألت النبي إذا وفّقت لليلة القدر ما تدعو فيها؟ فقال: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»([13]).

أيها الصائمون: هذا موسم المتسابقين، وسوق المتاجرين المجتهدين العابدين، وفرصة المغتنمين الحريصين، هاهنا العتق من النار، وهاهنا مغفرة الذنوب، وهاهنا رفعة الدرجات.

جاءت الليالي المحبوبة إلى نفوس الصالحين، الليالي التي تُقضى فيها الحاجات، وتستجاب الدعوات، وتفرج الكربات، فأين من يطلب المغفرة، ويسأل العافية، ويرجو تفريج الكربة، وقضاء الحاجة وصلاح الحال والمآل.

ما أحرى أنْ يعتنيَ المسلمُ والمسلمةُ فيها بكثرة التلاوة والتدبر، وإدامة الأوراد والذِّكر، والإحسان إلى المحاويج، والإلحاح في الدعاء، وحسن الخلق، وحسن الصيام، وطول القيام.

يا مَن كنت بالأمس تنتظر رمضانَ بالبهجة والسرور هاهو الشهر تمرُّ أيامه، ويذهب أكثره، وقد جعلَ سبحانه العشرَ الأواخر من رمضان فرصةً لمن أحسن في أول الشهر أن يزداد ويُحسن الختام، ولمن أساءَ أن يَستدركَ ما فات، وأنْ يغتنمَ أعظم المواسم.

نسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه، والحمد لله رب العالمين.

 


([1]) رواه مسلم 1175.

([2]) صحيح مسلم 1174.

([3]) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 20/338- 339.

([4]) مسند أحمد 21419، وسنن أبي داود 1375، سنن النسائي 1606، وهو في الجامع الصحيح 1084 .

([5]) انظر: شرح رياض الصالحين  2/ 76.

([6]) البخاري 2025، و مسلم 1172.

([7]) صحيح البخاري 2026.

([8]) «الجواب الصريح عن صلاة التراويح». منشور على موقع الشيخ.

([9]) البخاري 2020،  2017 ، مسلم 1169.

([10]) البخاري 6991، ومسلم 1165 عن ابن عمر رضي الله عنهما.

([11]) صحيح مسلم 1165.

([12]) البخاري 2018 بلفظ: «فاتبغوها»، ومسلم 1167 واللفظ له.

([13]) مسند أحمد 25384 ، والترمذي 3513 ، وابن ماجه 3850، وانظر: الصحيحة 3337 .

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح